الأربعاء، 4 يوليو 2012

المعلمة والتلميذ

حين وقفت المعلمة أمام الصف الخامس في أول يوم تستأنف فيه الدراسة، وألقت على مسامع التلاميذ جملة لطيفة تجاملهم بها، نظرت لتلاميذها وقالت لهم: إنني أحبكم جميعاً، هكذا كما يفعل جميع المعلمين والمعلمات، ولكنها كانت تستثني في نفسها تلميذاً يجلس في الصف الأمامي، يدعى تيدي ستودارد.
لقد راقبت السيدة تومسون الطفل تيدي خلال العام السابق، ولاحظت أنه لا يلعب مع بقية الأطفال، وأن ملابسه دائماً متسخة، وأنه دائماً يحتاج إلى حمام، بالإضافة إلى أنه يبدو شخصاً غير مبهج، وقد بلغ الأمر أن السيدة تومسون كانت تجد متعة في تصحيح أوراقه بقلم أحمر عريض الخط، وتضع عليها علامات x بخط عريض، وبعد ذلك تكتب عبارة "راسب" في أعلى تلك الأوراق.
وفي المدرسة التي كانت تعمل فيها السيدة تومسون، كان يطلب منها مراجعة السجلات الدراسية السابقة لكل تلميذ، فكانت تضع سجل الدرجات الخاص بتيدي في النهاية. وبينما كانت تراجع ملفه فوجئت بشيء ما!!
لقد كتب معلم تيدي في الصف الأول الابتدائي ما يلي: "تيدي طفل ذكي ويتمتع بروح مرحة. إنه يؤدي عمله بعناية واهتمام، وبطريقة منظمة، كما أنه يتمتع بدماثة الأخلاق".
وكتب عنه معلمه في الصف الثاني: "تيدي تلميذ نجيب، ومحبوب لدى زملائه في الصف، ولكنه منزعج وقلق بسبب إصابة والدته بمرض عضال، مما جعل الحياة في المنزل تسودها المعاناة والمشقة والتعب".
أما معلمه في الصف الثالث فقد كتب عنه: "لقد كان لوفاة أمه وقع صعب عليه.. لقد حاول الاجتهاد، وبذل أقصى ما يملك من جهود، ولكن والده لم يكن مهتماً، وإن الحياة في منزله سرعان ما ستؤثر عليه إن لم تتخذ بعض الإجراءات".
بينما كتب عنه معلمه في الصف الرابع: "تيدي تلميذ منطو على نفسه، ولا يبدي الكثير من الرغبة في الدراسة، وليس لديه الكثير من الأصدقاء، وفي بعض الأحيان ينام أثناء الدرس".
وهنا أدركت السيدة تومسون المشكلة، فشعرت بالخجل والاستحياء من نفسها على ما بدر منها، وقد تأزم موقفها إلى الأسوأ عندما أحضر لها تلاميذها هدايا عيد الميلاد ملفوفة في أشرطة جميلة وورق براق، ما عدا تيدي. فقد كانت الهدية التي تقدم بها لها في ذلك اليوم ملفوفة بسماجة وعدم انتظام، في ورق داكن اللون، مأخوذ من كيس من الأكياس التي توضع فيها الأغراض من بقالة، وقد تألمت السيدة تومسون وهي تفتح هدية تيدي، وانفجر بعض التلاميذ بالضحك عندما وجدت فيها عقداً مؤلفاً من ماسات مزيفة ناقصة الأحجار، وقارورة عطر ليس فيها إلا الربع فقط.. ولكن سرعان ما كف أولئك التلاميذ عن الضحك عندما عبَّرت السيدة تومسون عن إعجابها الشديد بجمال ذلك العقد ثم لبسته على عنقها ووضعت قطرات من العطر على معصمها. ولم يذهب تيدي بعد الدراسة إلى منزله في ذلك اليوم. بل انتظر قليلاً من الوقت ليقابل السيدة تومسون ويقول لها: إن رائحتك اليوم مثل رائحة والدتي! !
وعندما غادر التلاميذ المدرسة، انفجرت السيدة تومسون في البكاء لمدة ساعة على الأقل، لأن تيدي أحضر لها زجاجة العطر التي كانت والدته تستعملها، ووجد في معلمته رائحة أمه الراحلة!، ومنذ ذلك اليوم توقفت عن تدريس القراءة، والكتابة، والحساب، وبدأت بتدريس الأطفال المواد كافة "معلمة فصل"، وقد أولت السيدة تومسون اهتماماً خاصاً لتيدي، وحينما بدأت التركيز عليه بدأ عقله يستعيد نشاطه، وكلما شجعته كانت استجابته أسرع، وبنهاية السنة الدراسية، أصبح تيدي من أكثر التلاميذ تميزاً في الفصل، وأبرزهم ذكاء، وأصبح أحد التلايمذ المدللين عندها.
وبعد مضي عام وجدت السيدة تومسون مذكرة عند بابها للتلميذ تيدي، يقول لها فيها: "إنها أفضل معلمة قابلها في حياته".
مضت ست سنوات دون أن تتلقى أي مذكرة أخرى منه. ثم بعد ذلك كتب لها أنه أكمل المرحلة الثانوية، وأحرز المرتبة الثالثة في فصله، وأنها حتى الآن مازالت تحتل مكانة أفضل معلمة قابلها طيلة حياته.
وبعد انقضاء أربع سنوات على ذلك، تلقت خطاباً آخر منه يقول لها فيه: "إن الأشياء أصبحت صعبة، وإنه مقيم في الكلية لا يبرحها، وإنه سوف يتخرج قريباً من الجامعة بدرجة الشرف الأولى، وأكد لها كذلك في هذه الرسالة أنها أفضل وأحب معلمة عنده حتى الآن".
وبعد أربع سنوات أخرى، تلقت خطاباً آخر منه، وفي هذه المرة أوضح لها أنه بعد أن حصل على درجة البكالوريوس، قرر أن يتقدم قليلاً في الدراسة، وأكد لها مرة أخرى أنها أفضل وأحب معلمة قابلته طوال حياته، ولكن هذه المرة كان اسمه طويلاً بعض الشيء، دكتور ثيودور إف. ستودارد!!
لم تتوقف القصة عند هذا الحد، لقد جاءها خطاب آخر منه في ذلك الربيع، يقول فيه: "إنه قابل فتاة، وأنه سوف يتزوجها، وكما سبق أن أخبرها بأن والده قد توفي قبل عامين، وطلب منها أن تأتي لتجلس مكان والدته في حفل زواجه، وقد وافقت السيدة تومسون على ذلك"، والعجيب في الأمر أنها كانت ترتدي العقد نفسه الذي أهداه لها في عيد الميلاد منذ سنوات طويلة مضت، والذي كانت إحدى أحجاره ناقصة، والأكثر من ذلك أنه تأكد من تعطّرها بالعطر نفسه الذي ذَكّرهُ بأمه في آخر عيد ميلاد!!
واحتضن كل منهما الآخر، وهمس (دكتور ستودارد) في أذن السيدة تومسون قائلاً لها، أشكرك على ثقتك فيّ، وأشكرك أجزل الشكر على أن جعلتيني أشعر بأنني مهم، وأنني يمكن أن أكون مبرزاً ومتميزاً.
فردت عليه السيدة تومسون والدموع تملأ عينيها: أنت مخطئ، لقد كنت أنت من علمني كيف أكون معلمة مبرزة ومتميزة، لم أكن أعرف كيف أعلِّم، حتى قابلتك.
(تيدي ستودارد هو الطبيب الشهير الذي لديه جناح باسم مركز "ستودارد" لعلاج السرطان في مستشفى ميثوددست في ديس مونتيس ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعد من أفضل مراكز العلاج ليس في الولاية نفسها وإنما على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية).
إن الحياة ملأى بالقصص والأحداث التي إن تأملنا فيها أفادتنا حكمة واعتباراً
.. والعاقل لا ينخدع بالقشور عن اللباب، ولا بالمظهر عن المخبر، ولا بالشكل عن المضمون.
يجب ألا تتسرع في إصدار الأحكام، وأن تسبر غور ما ترى، خاصة إذا كان الذي أمامك نفساً إنسانية بعيدة الأغوار، موّارة بالعواطف، والمشاعر، والأحاسيس، والأهواء، والأفكار .
أرجو أن تكون هذه القصة موقظة لمن يقرؤها من الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، والأصدقاء

الأحد، 1 يوليو 2012

المياه الجوفية في ليبيا

المياه الجوفية في ليبيا
رغم ماقاله المتشائمون وروجوه عن ندرة المياه في المنطقة وأن الحروب القادمة هي حروب المياه وان علينا أن نغادر ليبيا للبحث عن اماكن أخرى للعيش فيها بعد انتهاء النفط  وما الى ذلك من اقاويل وأباطيل تزرع الخوف من المستقبل فإن فضل الله وعطائه  مازال  يغمرنا ليمسح عنا الخوف ويزيد في ايماننا بان ماعند الله لاينفد وأن الرزق يأتي من حيث لا نحتسب.

 (نشر موقع انتفاضة 17 فبراير 2011- لنجعله يوم للغضب في ليبيا تقرير صحفي عن مجلة ديرشبيغل الالمانية بخصوص المياه الجوفية المخزونة في افريقيا. قمت بالبحث عن مصدر التقرير وجدت التقرير منشور في مجلة (IOPscience)... تقرير صادر من المعهد البريطاني للمسح الجيولوجي (British Geological Survey (NERC. هذا التقرير نشر بتاريخ 19-04-2012 أي قبل ثلاث ايام. وكان هذا التقرير مقدم ومعد لقسم التطوير الدولي بالمملكة المتحدة UK Department for International Development. هذا التقرير بعنوان (خرائط كميات لمصادر المياه الجوفية في افريقيا)... حديث جيولوجي عن كيفية وأسباب تجمع هذه المياة بالتقرير, تذكر في مقال اخر.
من خلال اطلاعي على التقرير نسرد هنا الخلاصة والمعلومات: كميات المياة الجوفية المقدرة حسب التقرير في افريقيا حوالي 660,000 كيلومنر مكعب... ما يهمنا في هذا التقرير هو حصة ليبيا من مخزون المياه الجوفية. في احدي الصفحات الثماني من التقرير جدول يبين الكميات المخزنة في كامل افريقيا لكل دولة.

كمية المياه الجوفية في ليبيا حسب التقرير 99,500 كيلومتر مكعب. هذه الكمية تمثل سدس الكمية الاجمالية في افريقيا. الدول المحيطة بليبيا:

الجزائر 91,900 كيلومتر معكب.
مصر 55,200 كيلومتر مكعب.
السودان 63,200 كيلومترمكعب.
تشاد 46,000 كليومتر مكعب.

أي ان في ليبيا والدول المحيطة اكثر من نصف حجم المخزون من المياه الجوفية المقدرة في افريقيا حسب التقرير... اذا قمنا بحساب هذه المياة كم تكفي ليبيا من السنين... حسب ما اعلمه ان كمية استهلاك الفرد في ليبيا في حدود 250 لتر يومي. قمت بمعل حساب بتقدير اضافي لاستهلاك الفرد في ليبيا على اساس 500 لتر في اليوم. سيكون استهلاك 5.5 مليون نسمة من المياه يوميا = 2,750,000 متر3. بتحويل هذه الكمية الى الكليومتر3 = 0.00275 كليومتر مكعب يومي. استهلاك الليبيين في سنة 365 يوم =1.00375 كيلومتر مكعب. هذه الكمية تعادل بحيرة بطول 10 كيلو متر وعرض 5 كيلومتر وعمق للمياه في حدود 20 متر. بقسمة المخزون الكلي (99,500 كيلومتر مكعب) على الاستهلاك السنوي الحالي (1.00375 كيلومترمكعب) فان هذا المخزن يكفي ليبيا لمدة 99,128 سنة. أي تسعة وتسعون الف ومائة وثمان وعشرون سنة. تعتبر هذه الكميات ضخمة جدا وفوق أي تصور سابق. المقبور كان يعتقد ان النهر الصناعي سيكفي ليبيا لمده 50 سنة.

فارق الباز عالم الجيولوجيا بوكالة ناسا الامريكية (مصري الاصل) تحدث في اكثر من مقابلة عن كميات كبيرة وضخمة موجودة بالأراضي الليبية والمصرية, لكنه لم يحدد الحجم بالأرقام, لم اتخيل او اتصور انها بهذه الضخامة.

محمود جبريل في احدي المقابلات اثار ذعرنا من ان ليبيا دولة صحراوية وأنها من الدول الفقيرة في المياة, الان ليبيا من الدول الغنية والغنية جدا بالمياه وأتمنى ان نتوقف عن التشاؤم.

حجم هذه المياه تعادل بحيرة على كامل مساحة ليبيا بعمق 50 متر. بتذكر انقطاع المياه في احداث تحرير طرابلس, وعاشت طرابلس مدة بدون مياه وطرح سؤال بخصوص ضرورة الاعتماد على مصادر اضافية مساندة للمياه كتحلية مياه البحر او خزان كبير رئيسي يتسع لمخزون شهر وأكثر, حسب التقرير لمياه الجوفية في المناطق الساحلية, طرابلس, الزاوية, مصراته, كل المدن الساحلية توجد على اعماق مابين 100 متر الى 250 متر.

اخبار مبشرة جدا وتبعث على التفاؤل وتضع امامنا مسئولية لاستثمار كل هذه الخيرات في تنويع الاقتصاد والإنتاج والاستثمار الحقيقي وتوفير الغذاء داخليا والتوقف عن كثير من المواد الغذائية المستوردة افق كبير فتح امام المستقبل بهذا الخبر العظيم في نظري.)

"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض"
"ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم"
وهذا كلام الله الذي لا يأتيه الباطل يؤكد أن التقوى واقامة امر الله سبب لنزول النعم على الامم فلنحمد الله على ماآتانا ولنتقه حق تقاته لعلنا ننال رحمته ويعم علينا فضله.

بنغازينا

اثناء تجوالي على بعض المواقع اللليبية ( موقع المنارة ) قرأت قصيدة باللهجة العامية للشاعر نعيم الزوي عنوانها (ياثايرة عالظلم مية مرة) موجهة الى مدينة بنغازي فأردت ان اعلق عليها فجاءت هذه الكلمات :

 
انتي الفلة

وانتي عبير الوطن فيك تجلى

يوم ما نهضت عالظلام وظله

ناضت ربوع الوطن كله كله

وراك ثايرة عالحق ماتتخلى

انتي ترسمي وهم يتبعوا في الجرة

انتي الزينة

صبرتي على وقت الشقا وسنينه

وحملتي الظروف الباهية والشينة

ولما وقفتي كلنا صبّينا

معاك ما تخاذلنا ولا ولّينا

وفي فصول مدرستك العز اتقرّى

انتي اللي جمّعتي

شرقي وغربي ومن الجنوب صنعتي

نسيج وطننا وريحة الحب زرعتي

مابينهم والعهد ماضيعتي

ماتسيبي بعد ما صبحتي حرة

ماتسيبينا انحوس

واحد يقتّل خوه يبّي فلوس

والاخربيقطع ليبيا بالموس

وواحد امجنّد محكمة واحبوس

الله يحفظك ياليبيا من شرّه

وهذي القبايل ثارها المدسوس

تبي تاخذه قبل المسا مايدوس

طرف النهار يشيل كامي سره

ماتسيبينا ثانية ولادقيقة

بعد ما فتحتي الباب ومغاليقه

باب عزّنا ودرب الوفا وطريقه

نمشوه ملمومين وانت الصرّة

نمشوه مشي ارفاقه

لخير ليبيا ولعزها سباقة

راه دربنا مليان  بالحسّاد والسرّاقة

وبفاسدين الراي واللقافة

تركة سنين الاربعين المرّة

يبوا يقطعوا من الوطن حلو مذاقه

يبوا يقسموه ويرتعوا في برّه

نبوك بنغازينا
زي وقفتك يوم سبعطاش تجينا
جية الفزّاعين يوم الشينة
انردوا مهابة ليبيا المسكينة
وانمدوا عليها قلوبنا وايدينا
وكل من طمع يرجع بخايب شره

ابوسليم .. ذكرى وذاكرة

ابو سليم ..ذكرى وذاكرة \29-06-2012
جرح مؤلم ماانفك يؤلمنا وحدث فاجع ظل يسكن الذاكرة الجماعية للشعب الليبي وجمرة بقيت تتوقد تحت الرماد واستمرت تقض مضاجع النظام الهالك وهو في عز قوته وجبروته تلك هي جريمة مذبحة سجن ابي سليم والتي قتل فيها اكثر من الف ومائتين من خيرة شباب ليبيا الانقياء الاتقياء حاول أن يطمسها .. يخفيها .. يطفئها ولكن ظلت هذه الجريمة تتأجج وتستفز نخوة الليبيين وهمتهم الى أن هبّوا هبة رجل واحد وأزاحوا الظلم والظلمة وانقشع الظلام فالحمد لله الذي له الامر من قبل ومن بعد.


إن الفترة من 1989 حتى 1995 كانت من أشد الفترات حلكة حيث وصلت الاجهزة الأمنية الى أقصى حالات التغوّل والعنف وكانت تعمل خارج الأطر القانونية للدولة وكانت تعمل كدبّابة تحرث ارضا معشبة لينة فقد قضت على النبات ودمّرت الارض والتربة ولم تترك أخضر ولايابس حيث جمعت داخل السجون خيرة الشباب الليبي المتديّن والمتعلم من كافة أنحاء ليبيا وسلطت عليهم زبانية النظام بقلوب لاتعرف شفقة ولا رحمة وافرزت مجتمع يعيش تحت سطوة الخوف والرعب مع فقدان القدوة والقيادة بسبب غيابهم إما داخل السجون أوخارج البلاد أو الانكفاء على أنفسهم حفظا ووقاية لها.  

وقد كانت سنة 2008 تقارب على نهايتها عندما كتبت هذه القصيدة وحينها كانت ابيات قصيدة النابغة تدندن في رأسي (والتي اليها تنسب الليلة النابغية ) ومطلعها  :

         كليني لهمٍّ ياأميمـــة ناصب       وليلٌ أقاسيه بطـــئ الكـواكب

        تطاول حتى قلت ليس بمنتهي     وليس الذي يرعى النجوم بآيب

ولم نكن حينها قد بُلّغنا بوفاة أخي مؤيد بعد وكنا ما نزال نعتقد أنه على قيد الحياة ونأمل رؤيته ولقائه بعد خروجه من السجن بابي سليم بإذن الله سليما ومعافي لقد ظللنا لسنوات طويلة سابقة نعيش في وهم أن السجناء مازالوا في السجن حيث كنا مع بداية كل شهر نلتقي من كل أنحاء ليبيا تحت أسوار السجن الكالحة بوجوه حانقة تكتم في صدورها من الغل مالله أعلم به ومعنا صناديق مملوءة بكل ماكنا نعتقد ان السجين يحتاجه في حياته داخل السجن وتملأ الأمهات والزوجات هذه الصناديق بالإضافة الى الطعام والحاجيات  كانت تملأها بالدموع والاشواق والآهات والحسرات والدعوات وكانت العائلات البسيطة توفر من دخلها البسيط وتحرم نفسها حتى ترسل لابنها أو ابنائها مايحتاجونه وكان في عرف هذه العائلات أن قبول السجن لهذه الصناديق وعليها اسم المرسل اليه دليل على وجوده داخل السجن مما يمنحها شعورا زائفا بالاطمئنان علما بأنه قد اتضح لاحقا أن زبانية السجن كانوا يأخذون هذه الحاجيات ويقتسمونها بينهم بعد أن قتلوا السجناء غدرا في تلك المذبحة البشعة .

حاولت أن أطرح القصة وبعض تفاصيلها وأخاطب أخي من خلالها مع الوعيد لكل ظالم مستبد وكانت القصيدة التالية :
 

كليني لدهر 
 

كليني لدهرٍ يصطخب غير هائبِ                             يروح ويغدو مثقلا بالنوائبِ

بلا كللٍ تترى سهــــــامُ جنودهِ                       مكللــــةٌ بالهمِّ من كلِ جانب

يُكسِّر أُخراها نصال قديمها                     وتكسر في تيارها حلم راغب

بأن يجتمع شمل الأحبة بعدما                   تنائىَ وعضته صروف النوائب

                  تطوف به الاحلام شرقا ومغربا                     ويجرفه التيار من دون قارب

يصلّي ويدعو عقب كل فريضة                   بقلبٍ تلظّى بالنوى والتجارب

   لعلّ بعيدا طال عهد بعــــــاده                      وراحت به للقيد أيدي الغواصب

بلا موعدٍ والليل أرخى سدوله                       وآب إلى نظّــــــاره كل آيب

وغابت نجومٌ وانزوى البدر شاحباً            يحاكي وجوه الثاكلات الشواحب

وجرّ الينا كــــــل ليلٍ ســــواده                      وصبّ علينا شرّه كل خائب

تعاطوا ونادوا ثمّ شنّوا فأسرفوا                  وعاثوا فسادا شأنهم شأن غاصب

وجاسوا بيوتاً واستباحوا محارما                  وشدّوا قيوداً شدُّها غير صائب

وجرّوا رؤوساً فكرها كان لامعاً                  ينير لنا ظلمات دربٍ مشاغب

إلى دركاتٍ صحبة القيد والعنا                     وصحبة سجّانٍ كريه المناقب

وظلّوا يجوسون الديار ببغيهم                  ويسقون من فيها كؤوس المصائب

كحاطب ليلٍ لا يبين مرامه                        فيرمي بأفـؤسهِ على كل جانب

يصيب بها من لا يريد ومن يرد                 ويتركها أشــلاء فوق المضارب

فغــاضت ينابيعٌ لنا كان دفقها                     يحج الى أمواهه كــــــل شارب

وغابت مصابيحٌ لنا كان نورها            يضيئ على شرق الدُنا والمغـــــارب

أخي منك طيف كل يومٍ يزورنا              على حين شـــــوقٍ أو أوان التعاتب

وصولاً لأرحام كما كنت دائما                على رغم أســـــوارٍ طغت وكتائب

فنحكي له عمّا رأينا من العنا               ويحكي لنا عمّا رأى من مصـــاعب

أخي أين دارك إننا بعد ننتظر                  وأمك ترجو بالدموع السواكب


وأقلامك الحبلى تراكم حبرها                      وظلّ حبيساً ينتظر كف كاتب

وكلّ كتابٍ قد تركته لم يزل                       على حاله يشتاق عودة غائب

وصحنك مازالت له فسحةٌ                       وقسطك ممّا تشتهي من أطايب

أحيٌّ فترجى إننا ورجاؤنا                      نعيش على وقع البروق الكواذب

                      أمانٍ لنا في كلِّ يومٍ نحيكها                    وننقضها عند انسدال المغارب

وليس لنا من قوةٍ نحتمي بها                    وليس لنا ركنٌ شديد المضارب

    ولكن لنا ربٌّ اليه شكـاتنا                          قديرٌ وغلّابٌ على كلِّ غالب

هو الركن إن ضاقت علينا بلادنا                وموئلنا عند اشتداد المصائب

ومسعفنا بالصبر عند احتياجه                    ومنصفنا يوم اللِقا والتحاسب

ألا أيها الثاوون في غيهبٍ ثوى                أفاضلنا خلقاً وحســــن مناقب

وقضبان سجنٍ قد تمادت فأينعت              مآسٍ وأحـــزانٍ ووأد مواهب

لكم بين أحشاء الفؤاد صبابة                وبين شغاف القلب لفح اللواهب

غداً يعلم المتبجحون بغيّــــهم              ومن أثخنونا بالأذى والمتاعــب

ومن كبّلونا خلف أسوار بغيهم             ومن أكثروا فينا عويل النوادب

ومن ضيعونا في سراديب وهمهم                   ومن جربوا فينا صنوف التجارب

بأنهم اختـــــارو الدنيّة عندنا                  وأنه لن يغني اعتلاء المناصب

وأن المظالم حائقاتٍ بأهلها                 وأن اكتساب الإثم شر المكاسب

وأنّ شذى التاريخ ليس يناله                ولاينتشي من ديمه والسحائب

مقارف غدرٍ ليس يؤمن جانبه             ظلومٌ غشومٌ رأيه غير صــــــائب

يسوس رعيته بقول وشاته                  يدبّون بينهما دبيب العقـــــــــارب

يُحلّ محارمهم ويترك أمورهم             إلى كل أفّاق الهوى والمــــــــآرب

وأنكمُ خير الفريقين مذهبــــــا                إذا ما تنادى الناس خلف المذاهب

تخيّرتمُ خوض الشدائد حسّرا               على السعي في دركات بخس المكاسب

فشدّوا على وتر الصعاب يقينكم               وأمضوا عزوما صلبت بالتجارب

وأوفوا مع الايام صادق عهدكم                 فللصدق في الدارين خير العواقب

وإنا لنرجو أن تكونوا قوادماً                       تجــس لنا دربـــا كثير المثالب

وإنا لنرجو أن يكون انبعــاثنا                   على صوت تكبيرٍ على كل جانب

فيذهب جُفاءً كل حيفٍ وعتمةٍ                      وتنهار أسوارٌ ضخام الجوانب

وتشفى نفوسٌ جرحها كان غائرا                    ويرجع الى احبابـــــه كل غائب



                                                     محمد مصطفى بن زيادة-2008




 فالحمد لله أن عشت حتى رأيت هذه الثورة المباركة بإذن الله وحتى حضرت يوم عشرين رمضان حيث تحقق الرجاء وتحررت طرابلس وأصوات التكبير تدوي من كل جانب , وحتى اعلن التحرير فذهب الظلم والظلام عن البلاد جفاء ومررت بعده بالقرب من باب العزيزية فرأيت تلك الاسوار الضخمة المحيطة به منهارة  فحمدت الله الغالب الغلّاب حمدا كثيرا وتيقنت أنه الركن لكل محتاج وضعيف وأن الملتجئ اليه لايخيب أبدا ورجوت أن يجزي الله عنا الشهداء كل خير.