السبت، 4 أغسطس 2012

تجربة مكافحة الفساد في سنغافورة



 عن مدونة باقات ليبية

بعد أن كانت تعتبر من أكثر الدول فسادا ، أصبحت سنغافورة خلال الثلاثين سنة الأخيرة أقل الدول فسادا في أسيا ومن بين اقل الدول فسادا على مستوى العالم وفق معايير منظمة الشفافية العالمية.

ونجحت إدارة الدولة في تحويل مجتمع متعدد الأعراق وقليل الموارد الطبيعية إلي مجتمع مزدهر متطور يوفر أفضل الخدمات لمواطنيه، ونقلت الدولة الفقيرة العديمة الموارد إلي احد أهم عواصم التجارة والمال.

ومن خلال الفرصة التي أتيحت لنا بالإطلاع الجزئي على تجربة سنغافورة بشـأن مكافحة الفساد بفضل البرنامج الذي نظمه المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات لاحظنا أن النظام في هذه الدولة انطلق من إرادة سياسية ثابتة وواضحة في إيجاد نظام يضمن للدولة البقاء في ظل الظروف الصعبة التي وضعت فيها بعد استقلالها عن ماليزيا. هذه الإرادة حددت منهجا يقوم على عدة مرتكزات عند انطلاقه منها:

ـ التركيز على وجود قوانين صارمة وضمان سيادتها بتطبيقها الفعلي وعدم التساهل في ذلك، مع العمل على استقرار أجهزة الدولة واتصافها بالكفاءة والنزاهة والانضباط.

ـ ضرورة ترتيب الاولويات وتحديد المصالح الأولى بالرعاية بشكل واضح، ومن ذلك تعارض المصلحة العامة مع المصلحة الخاصة أو الحريات والحقوق الفردية يوجب تغليب المصلحة العامة كما سيظهر لا حقا في عدة مجالات منها المجال الجنائي في شقيه الموضوعي والإجرائي، وتعارض الحريات الفردية مع موجبات التنمية الاقتصادية والحكومة الفعالة يوجب تغليب الثانية. وبناء على هذا المرتكز المتمثل في خصوصية ترتيب الأولويات ينظر أيضا في إمكانية تبني المعايير الدولية، والاستفادة من التجارب المقارنة.

ـ النظر في مآلات الأفعال بغض النظر عن أي تأصيل فلسفي أخر، فلتبني نظام أو حكم قانوني معين، وللنظر في إمكانية الإبقاء عليه أو تعديله أو إلغائه يجب قياس نتائجه السلبية والايجابية المتوقعة أو المترتبة على إعماله. ومن ذلك، بناء وتعديل معايير اختصاص السلطة التشريعية والتنفيذية على أساس عملي مرن يضمن سرعة الإنجاز وفاعلية الأداء لا على أساس نظري مجرد، فالمسائل الفنية التي يجب أن يضعها متخصصون لا يجب أن تكون من اختصاص البرلمان.

ومن ذلك – أيضا- دراسة القوانين من خلال تتبع تطبيقها واستخلاص الإشكاليات الناتجة عنها، فكثرة القضايا التي تنجم عن قانون معين هي من الأسباب الرئيسة لتعديله. فمع أن القاعدة القانونية عامة ومجردة إلا أن الحالات التطبيقية الجزئية هي التي تؤسس لتعديل في الحل الكلي.

فالمنهج هو منهج برجماتي عملي مرن ، لا تحكمه أي محددات أيدلوجية.

ـ النظر في مدى الاستفادة من حلول ومشاكل الدول الأخرى في جميع المجالات. ويمتد ذلك لمحاولة أن تقدم الدولة حلا للآخر يشكل مورد دخل اقتصادي لها، ومن ذلك أن تقوم الدولة بما لا يتوافر لدي الدول الأخرى أو لا تستطيع القيام به أو لا تريد عمله. ومثال ذلك الاستفادة من التنافس بين المنتجات اليابانية والأمريكية بحل مشكلة المنتجات الأمريكية بتقديم حل لها يمكنها من الإنتاج بتكلفة اقل وجعلها اقرب للسوق الاستهلاكي الآسيوي. وتوفير حاجة المستثمرين بإيجاد نظام شفاف ومنضبط يمكن المستثمر من حساب نتائج استثماره.

أما بخصوص مكافحة الفساد، فان النظام قائم على دعامتين أساسيتين يكمل كل منهما الأخر. حيث تنقسم سياسة الدولة في هذا المجال إلي سياسة الوقاية من الفساد وسياسة الكشف عنه والعقاب عليه.

أولا / سياسة الوقاية من الفساد:

سياسة الوقاية من الفساد في هذه الدولة واسعة النطاق، فبالإضافة إلي التوعية وتأمين الضبط الاجتماعي بوسائله المختلفة، عملت الدولة على سن عدة تدابير منها:

ـ الفصل بين الوزارات وإدارة التنفيذ، حيث يتولى التنفيذ في الغالب هيئات ومؤسسات منشأة بقانون. ومن شأن ذلك تفريغ الوزارة من سلطة التنفيذ وإزالة سبب ما يمكن أن يترتب عليه من فساد ولا يبقي للوزارة إلا التفكير الاستراتيجي للمدى المتوسط والبعيد.

ـ رفع مرتبات الموظفين في الدولة بشكل يجعل منها كافية لتوفير مستوى حياة كريمة، فدفع أجور مرتفعة أهم رادع للفساد.

ـ تبسيط الإجراءات الإدارية والحد من المستندات المطلوبة للحصول على الخدمة مع وضع مدونة إجراءات إدارية واضحة.

ـ تفادي المنطقة الرمادية في سلطة الموظف العام بالتضييق من سلطته التقديرية بوضع معايير دقيقة يستند عليها في أدائه لعمله، لان التوسع في السلطة التقديرية للموظف العام موجب من موجبات الفساد وسبب من أسباب إضعاف الرقابة الفعالة على عمله.

ـ تركيز الاختصاص في جهة معينة من اجل تركيز المسؤولية. ومن ذلك وحدة الجهة المختصة بمنح الترخيص في مجال معين.

ـ الحد إلي اكبر قدر من تعامل الموظفين بالمال(الموظف لا يرى المال وإنما يرى الأرقام)، فالرسوم والغرامات تدفع الكترونيا، ذلك لان التقليل من لمس الموظف للمال يوفر الجهد والوقت ويقلل من الفساد. ومن اجل ذلك وجدت عدة نقاط لتعليم الناس كيفية الدفع الالكتروني.

ـ التوسع في تقديم الخدمة بالطريق الالكتروني، حيث هناك 1600 خدمة تتم من منزل الشخص الطالب لها، ومن ذلك خدمة الحصول على 71 نوعا من التراخيص عبر الانترنت( e citizen). ومن شأن ذلك كسب الوقت والجهد والتقليل من الاتصال المباشر بين الموظف وطالب الخدمة.

ـ إيجاد أنظمة شفافة تؤدي إلي التقليل إلي حد كبير من الأسرار التي يملكها الموظف العام بسبب وظيفته، بحيث أن الموظف الذي لا يملك أسرارا لا يجد أسرارا لبيعها. ومن ذلك وجود نظام واضح المعالم ومفتوح للمشتريات الحكومية يمكن الإطلاع عليه من خلال مركز الأعمال الالكترونية (Ge Biz) وهو بوابة للمشتريات الحكومية تسمح للمتقدمين بعروض رؤية كل الصفقات والمواصفات المطلوبة.

ويقع في نفس الإطار ضرورة نشر إجراءات العقود الإدارية ونتائجها عبر الانترنت.

ـ الفحص المسبق للحالة الاجتماعية للأفراد قبل التوظيف، وإمكانية تدخل الهيئة العامة لمكافحة الفساد كتدبير وقائي لمنع موظف ما من تولي منصب قيادي أو عمل سياسي بسبب شبهات سابقة بالفساد. كما الهيئة يمكن أن تتدخل بالتوصية بعدم التعاقد مع شركة ما لسبق اتهامها بالفساد. ويلاحظ هنا كفاية الاتهام دون الحاجة لان يصدر حكم قضائي بالإدانة.

ـ الحد من نشر ثقافة الفساد ومن الحديث عن الفساد في الوسط الاجتماعي، ومن اجل ذلك يعتبر نشر إشاعات حدوث فساد أو الحديث مع أخر بشأن قضية فساد دون وجود أدلة واضحة جريمة في حد ذاته.

ـ حظر استعمال الصفة في الأماكن التي تقدم خدمات بالنسبة للقضاة وأعضاء النيابة العامة والموظفين العامين كافة. وإذا ما ظهر بيان الوظيفة في مستند رسمي، فيجب أن يكون ذكره بالقدر اللازم، كأن يدون انه قاضي دون أي تفصيل أخر.

ـ تحديد أجل ستة أشهر يجب أن تفصل فيه المحاكم في القضايا المعروضة عليها وعدم التأجيل لتاريخ يتجاوز هذا الأجل، مع تحديد اجل سنة كحد أقصى يجب أن ينتهي فيه التحقيق والإحالة إلي المحكمة أو حفظ الأوراق. ذلك أن إطالة عمر القضية في التحقيق ومرحلة المحاكمة مؤشر من مؤشرات الفساد أو الإهمال. كما أن العدل المؤخر هو عدل مرفوض.

ثانيا/ السياسة الجنائية بشأن مكافحة الفساد:

تشمل السياسة الجنائية في مجال الفساد- كغيرها من السياسات الجنائية - جانبا موضوعيا وآخر إجرائيا.

فبالنسبة للجانب الموضوعي تبني المشرع السنغافوري تشريعا خاصا بمكافحة الفساد توسع في تجريم الفساد ومن ذلك تجريم الرشوة في القطاعين العام والخاص واعتبار عدم إبلاغ الموظف عن جريمة عرض الرشوة عليه جريمة مستقلة. ونص القانون المشار إليه على جرائم الفساد بعبارات واسعة شبيهة بتلك التي تلجأ إليها كثير من التشريعات عندما يتعلق الأمر بالجرائم الماسة بأمن الدولة ومنها الباب الأول من الكتاب الثاني في قانون العقوبات الليبي. يلاحظ أن هذا المنهج في التجريم لا يستجيب لمتطلبات مبدأ الشرعية الجنائي في شقه الموضوعي.

ونص هذا القانون الخاص على عقوبات السجن والغرامات المرتفعة والمصادرة والرد، وفي حالة عدم الرد تضاعف عقوبة السجن. مع استبعاد التداخل بين العقوبات في حالة التعدد، حيث يجب أن تتعد العقوبات بتعدد الجرائم دون أي اعتبار للتتابع بين الجرائم ووحدة الغرض الإجرامي ( الارتباط غير القابل للتجزئة والجريمة المتتابعة).

أما بالنسبة للجانب الإجرائي، فهو قائم على فكرة أساسية هي حتمية العقوبة بحيث صيغت أحكامه على أساس ضرورة إدراك كل شخص انه في حالة ارتكاب جريمة من جرائم الفساد لابد أن يكتشف ويعاقب، وان جرائم الفساد قليلة المردود بالنظر لكثرة مخاطرها.

ويمكن إجمال خصائص النظام السنغافوري في مكافحة الفساد على النحو التالي :

ـ وجود هيئة تتبع رئيس الوزراء ويعين أعضاؤها بقرار منه بعد أن كانت تابعة لوزارة الداخلية، تتولى دون غيرها جمع الاستدلالات والتحقيق في قضايا الفساد ، وتختص بمباشرة ذلك في مواجهة الكافة دون تفرقة بين المدنيين والعسكريين وبين القضاة وأعضاء النيابة والسياسيين وغيرهم من الموظفين العامين والعاملين في القطاع الخاص. ويتجاوز دورها الضبط القضائي ليمتد إلي الجوانب الإرشادية والضبط الإداري الوقائي، ومن ذلك أن لها أن تمنع شركة من الدخول في مناقصة لمدة خمس سنوات أو نهائيا وتحول دون تقلد موظف عام مركز قيادي . ما يعني أنها يمكن أن تفرض عقوبة لمجرد شبهات بالفساد، وهو ما يتعارض مع مبدأ قضائية العقوبة.

ويلاحظ انه يجب أن ينظر لتبعية هيئة مكافحة الفساد لرئيس الوزراء في أطار خصوصية نظام النيابة العامة في سنغافورة الذي يقوم فيه النائب العام بوظيفيتين احدهما قضائية والأخرى استشارية، والذي يختلف بشكل جدري عن نظام النيابة العامة وصلاحياتها وعلاقتها بالسلطة التنفيذية وعلاقة مأموري الضبط القضائي بها في النظام القانوني الليبي.

ـ إعطاء سلطات واسعة لأعضاء هيئة مكافحة الفساد في الكشف عن الجرائم ومنها مراقبة التغييرات التي تطرأ على حياة الموظفين وإمكانية الإطلاع على حساباتهم المصرفية، حيث لا وجود للسر المصرفي في هذا المجال( تغليب متطلبات فاعلية مكافحة الفساد على متطلبات حماية الخصوصية الفردية).

ـ يعتبر نظام المخبرين من الجمهور والموظفين من أهم الوسائل التي تعتمد عليها هيئة مكافحة الفساد ومصلحة الضرائب وغيرها من الجهات التي تختص بالتحقيق في قضايا الفساد والتهرب الضريبي في التحريات وجمع الاستدلالات ( نظام استخباراتي يبدو انه فاعل ودقيق بالنظر إلي نتائجه والتي منها أن 80% من حالات التهرب الضريبي اكتشفت بواسطة المخبرين). بالإضافة إلي البلاغات التي تقدم من الأكثر دراية بها عند وقوعها وهم العاملون في القطاعين العام والخاص بشأن جرائم الفساد والتهرب الضريبي.

وتعتمد الجهات المختصة على آلية المكأفاة التي تقاس على أساس نسبة معينة من قيمة المال محل الجريمة على أن لا تتجاوز مائة ألف دينار لمن يبلغ عن الجريمة.

مع ملاحظة أن النظام يضمن سرية المخبرين حتى بعد انتهاء التحقيق لحمايتهم ولضمان فاعلية أدائهم لإعمالهم، ولا يعطى اسم المخبر حتى للقاضي إلا إذا أصدرت المحكمة أمرا خاصا توجب فيه الكشف عن شخصيته.

ـ تسهيل إثبات جرائم الفساد بإيجاد ما يسمى بقرائن الإدانة، والتي منها أن أي زيادة غير مبررة في دخل الموظف العام تلاحظ من خلال مراقبة طريقة معيشته تعتبر قرينة على كسبه مال فاسد، إلا إذا اثبت العكس.

كما انه ليس من حق المتهم الصمت وإخفاء معلومات عن المحققين( وكأنه يلزم بالشهادة ضد نفسه).

ـ استعمال أعضاء هيئة مكافحة الفساد للوسائل التقنية للتحقيق ومنها جهاز كشف الكذب لجمع المعلومات والتأكد من مصداقيتها وللتوصل لضبط التحقيق في اتجاهه الصحيح مع ملاحظة عدم إمكانية الاعتماد عليه كدليل للإدانة.

ـ استبعاد الحصانة الإجرائية ، بحيث يمكن أن يباشر التحقيق وترفع الدعوى الجنائية ضد كل من تتوافر دلائل على ارتكابه جريمة من جرائم الفساد وترفع الدعوى الجنائية في مواجهته دون أن يتوقف ذلك على أذن جهة ما . وهذا على خلاف التشريع الليبي الذي يتوسع في منح الحصانة الإجرائية، ويعطي إمكانية تعطل تفعيل القانون بالقانون، ويمد الحصانة لما بعد انتهاء الوظيفة وهو ما عليه نص المادة ( 21 ) من القانون رقم (1) لسنة 2006 ف.

ـ إتباع نظام في المحاكمة وتنفيذ أحكام الإدانة يسمح بدعم الثقة في النظام القضائي وتحقيق وظيفة الردع العام ووصم مرتكب الفعل بوصمة الفساد في المجتمع بحيث يكون عبرة لغيره، فالمحاكمات علنية والأحكام الصادرة في قضايا الفساد يجب أن تنشر ويمكن للكافة الإطلاع على منطوقها.

ويلاحظ هنا أن أهم الإشكاليات التي يعاني منها النظام القانوني الليبي هو عدم تنفيذ الأحكام القضائية والتوسع في العفو الخاص، الأمر الذي يضعف إلي حد بعيد من فاعلية النظام القانوني.

ـ عند التحقيق في قضية من قضايا الفساد يجب أن يتعدد المحققون ، بحيث لا يجوز أن يتولى القضية محقق واحد، لضمان الشفافية وعدم التأثير عليه ( تعدد المحققين ضمان عدم التلاعب في القضية).

كما أن النظام القضائي في مجمله قائم على أساس تبسيط إمكانية اللجوء إليه ووضوح إجراءاته وتنفيذ أحكامه ، فهناك اعتماد على النظام الالكتروني في تسجيل الدعاوى وفي الحصول على المستندات الخاصة بها لكل من له الحق في ذلك وفي الاعتراف بالجرائم وفي دفع الغرامات ، ويمكن الإشارة لما يعرف بالمحاكم الليلية التي تمكن من استعمال حق التقاضي خارج ساعات الدوام الرسمي المعتاد للدولة.

باختصار يمكن القول أن الإرادة السياسية الواضحة في سنغافورة أنتجت قانونا فعالا ونظاما للتقاضي حياديا وسريعا وإدارة ضبط إداري وقضائي تتميز بالصرامة والمهنية. مع ملاحظة بعض حالات اختلال التوازن الإجرائي بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.







 عن مدونة باقات ليبية


الأربعاء، 4 يوليو 2012

المعلمة والتلميذ

حين وقفت المعلمة أمام الصف الخامس في أول يوم تستأنف فيه الدراسة، وألقت على مسامع التلاميذ جملة لطيفة تجاملهم بها، نظرت لتلاميذها وقالت لهم: إنني أحبكم جميعاً، هكذا كما يفعل جميع المعلمين والمعلمات، ولكنها كانت تستثني في نفسها تلميذاً يجلس في الصف الأمامي، يدعى تيدي ستودارد.
لقد راقبت السيدة تومسون الطفل تيدي خلال العام السابق، ولاحظت أنه لا يلعب مع بقية الأطفال، وأن ملابسه دائماً متسخة، وأنه دائماً يحتاج إلى حمام، بالإضافة إلى أنه يبدو شخصاً غير مبهج، وقد بلغ الأمر أن السيدة تومسون كانت تجد متعة في تصحيح أوراقه بقلم أحمر عريض الخط، وتضع عليها علامات x بخط عريض، وبعد ذلك تكتب عبارة "راسب" في أعلى تلك الأوراق.
وفي المدرسة التي كانت تعمل فيها السيدة تومسون، كان يطلب منها مراجعة السجلات الدراسية السابقة لكل تلميذ، فكانت تضع سجل الدرجات الخاص بتيدي في النهاية. وبينما كانت تراجع ملفه فوجئت بشيء ما!!
لقد كتب معلم تيدي في الصف الأول الابتدائي ما يلي: "تيدي طفل ذكي ويتمتع بروح مرحة. إنه يؤدي عمله بعناية واهتمام، وبطريقة منظمة، كما أنه يتمتع بدماثة الأخلاق".
وكتب عنه معلمه في الصف الثاني: "تيدي تلميذ نجيب، ومحبوب لدى زملائه في الصف، ولكنه منزعج وقلق بسبب إصابة والدته بمرض عضال، مما جعل الحياة في المنزل تسودها المعاناة والمشقة والتعب".
أما معلمه في الصف الثالث فقد كتب عنه: "لقد كان لوفاة أمه وقع صعب عليه.. لقد حاول الاجتهاد، وبذل أقصى ما يملك من جهود، ولكن والده لم يكن مهتماً، وإن الحياة في منزله سرعان ما ستؤثر عليه إن لم تتخذ بعض الإجراءات".
بينما كتب عنه معلمه في الصف الرابع: "تيدي تلميذ منطو على نفسه، ولا يبدي الكثير من الرغبة في الدراسة، وليس لديه الكثير من الأصدقاء، وفي بعض الأحيان ينام أثناء الدرس".
وهنا أدركت السيدة تومسون المشكلة، فشعرت بالخجل والاستحياء من نفسها على ما بدر منها، وقد تأزم موقفها إلى الأسوأ عندما أحضر لها تلاميذها هدايا عيد الميلاد ملفوفة في أشرطة جميلة وورق براق، ما عدا تيدي. فقد كانت الهدية التي تقدم بها لها في ذلك اليوم ملفوفة بسماجة وعدم انتظام، في ورق داكن اللون، مأخوذ من كيس من الأكياس التي توضع فيها الأغراض من بقالة، وقد تألمت السيدة تومسون وهي تفتح هدية تيدي، وانفجر بعض التلاميذ بالضحك عندما وجدت فيها عقداً مؤلفاً من ماسات مزيفة ناقصة الأحجار، وقارورة عطر ليس فيها إلا الربع فقط.. ولكن سرعان ما كف أولئك التلاميذ عن الضحك عندما عبَّرت السيدة تومسون عن إعجابها الشديد بجمال ذلك العقد ثم لبسته على عنقها ووضعت قطرات من العطر على معصمها. ولم يذهب تيدي بعد الدراسة إلى منزله في ذلك اليوم. بل انتظر قليلاً من الوقت ليقابل السيدة تومسون ويقول لها: إن رائحتك اليوم مثل رائحة والدتي! !
وعندما غادر التلاميذ المدرسة، انفجرت السيدة تومسون في البكاء لمدة ساعة على الأقل، لأن تيدي أحضر لها زجاجة العطر التي كانت والدته تستعملها، ووجد في معلمته رائحة أمه الراحلة!، ومنذ ذلك اليوم توقفت عن تدريس القراءة، والكتابة، والحساب، وبدأت بتدريس الأطفال المواد كافة "معلمة فصل"، وقد أولت السيدة تومسون اهتماماً خاصاً لتيدي، وحينما بدأت التركيز عليه بدأ عقله يستعيد نشاطه، وكلما شجعته كانت استجابته أسرع، وبنهاية السنة الدراسية، أصبح تيدي من أكثر التلاميذ تميزاً في الفصل، وأبرزهم ذكاء، وأصبح أحد التلايمذ المدللين عندها.
وبعد مضي عام وجدت السيدة تومسون مذكرة عند بابها للتلميذ تيدي، يقول لها فيها: "إنها أفضل معلمة قابلها في حياته".
مضت ست سنوات دون أن تتلقى أي مذكرة أخرى منه. ثم بعد ذلك كتب لها أنه أكمل المرحلة الثانوية، وأحرز المرتبة الثالثة في فصله، وأنها حتى الآن مازالت تحتل مكانة أفضل معلمة قابلها طيلة حياته.
وبعد انقضاء أربع سنوات على ذلك، تلقت خطاباً آخر منه يقول لها فيه: "إن الأشياء أصبحت صعبة، وإنه مقيم في الكلية لا يبرحها، وإنه سوف يتخرج قريباً من الجامعة بدرجة الشرف الأولى، وأكد لها كذلك في هذه الرسالة أنها أفضل وأحب معلمة عنده حتى الآن".
وبعد أربع سنوات أخرى، تلقت خطاباً آخر منه، وفي هذه المرة أوضح لها أنه بعد أن حصل على درجة البكالوريوس، قرر أن يتقدم قليلاً في الدراسة، وأكد لها مرة أخرى أنها أفضل وأحب معلمة قابلته طوال حياته، ولكن هذه المرة كان اسمه طويلاً بعض الشيء، دكتور ثيودور إف. ستودارد!!
لم تتوقف القصة عند هذا الحد، لقد جاءها خطاب آخر منه في ذلك الربيع، يقول فيه: "إنه قابل فتاة، وأنه سوف يتزوجها، وكما سبق أن أخبرها بأن والده قد توفي قبل عامين، وطلب منها أن تأتي لتجلس مكان والدته في حفل زواجه، وقد وافقت السيدة تومسون على ذلك"، والعجيب في الأمر أنها كانت ترتدي العقد نفسه الذي أهداه لها في عيد الميلاد منذ سنوات طويلة مضت، والذي كانت إحدى أحجاره ناقصة، والأكثر من ذلك أنه تأكد من تعطّرها بالعطر نفسه الذي ذَكّرهُ بأمه في آخر عيد ميلاد!!
واحتضن كل منهما الآخر، وهمس (دكتور ستودارد) في أذن السيدة تومسون قائلاً لها، أشكرك على ثقتك فيّ، وأشكرك أجزل الشكر على أن جعلتيني أشعر بأنني مهم، وأنني يمكن أن أكون مبرزاً ومتميزاً.
فردت عليه السيدة تومسون والدموع تملأ عينيها: أنت مخطئ، لقد كنت أنت من علمني كيف أكون معلمة مبرزة ومتميزة، لم أكن أعرف كيف أعلِّم، حتى قابلتك.
(تيدي ستودارد هو الطبيب الشهير الذي لديه جناح باسم مركز "ستودارد" لعلاج السرطان في مستشفى ميثوددست في ديس مونتيس ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعد من أفضل مراكز العلاج ليس في الولاية نفسها وإنما على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية).
إن الحياة ملأى بالقصص والأحداث التي إن تأملنا فيها أفادتنا حكمة واعتباراً
.. والعاقل لا ينخدع بالقشور عن اللباب، ولا بالمظهر عن المخبر، ولا بالشكل عن المضمون.
يجب ألا تتسرع في إصدار الأحكام، وأن تسبر غور ما ترى، خاصة إذا كان الذي أمامك نفساً إنسانية بعيدة الأغوار، موّارة بالعواطف، والمشاعر، والأحاسيس، والأهواء، والأفكار .
أرجو أن تكون هذه القصة موقظة لمن يقرؤها من الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، والأصدقاء

الأحد، 1 يوليو 2012

المياه الجوفية في ليبيا

المياه الجوفية في ليبيا
رغم ماقاله المتشائمون وروجوه عن ندرة المياه في المنطقة وأن الحروب القادمة هي حروب المياه وان علينا أن نغادر ليبيا للبحث عن اماكن أخرى للعيش فيها بعد انتهاء النفط  وما الى ذلك من اقاويل وأباطيل تزرع الخوف من المستقبل فإن فضل الله وعطائه  مازال  يغمرنا ليمسح عنا الخوف ويزيد في ايماننا بان ماعند الله لاينفد وأن الرزق يأتي من حيث لا نحتسب.

 (نشر موقع انتفاضة 17 فبراير 2011- لنجعله يوم للغضب في ليبيا تقرير صحفي عن مجلة ديرشبيغل الالمانية بخصوص المياه الجوفية المخزونة في افريقيا. قمت بالبحث عن مصدر التقرير وجدت التقرير منشور في مجلة (IOPscience)... تقرير صادر من المعهد البريطاني للمسح الجيولوجي (British Geological Survey (NERC. هذا التقرير نشر بتاريخ 19-04-2012 أي قبل ثلاث ايام. وكان هذا التقرير مقدم ومعد لقسم التطوير الدولي بالمملكة المتحدة UK Department for International Development. هذا التقرير بعنوان (خرائط كميات لمصادر المياه الجوفية في افريقيا)... حديث جيولوجي عن كيفية وأسباب تجمع هذه المياة بالتقرير, تذكر في مقال اخر.
من خلال اطلاعي على التقرير نسرد هنا الخلاصة والمعلومات: كميات المياة الجوفية المقدرة حسب التقرير في افريقيا حوالي 660,000 كيلومنر مكعب... ما يهمنا في هذا التقرير هو حصة ليبيا من مخزون المياه الجوفية. في احدي الصفحات الثماني من التقرير جدول يبين الكميات المخزنة في كامل افريقيا لكل دولة.

كمية المياه الجوفية في ليبيا حسب التقرير 99,500 كيلومتر مكعب. هذه الكمية تمثل سدس الكمية الاجمالية في افريقيا. الدول المحيطة بليبيا:

الجزائر 91,900 كيلومتر معكب.
مصر 55,200 كيلومتر مكعب.
السودان 63,200 كيلومترمكعب.
تشاد 46,000 كليومتر مكعب.

أي ان في ليبيا والدول المحيطة اكثر من نصف حجم المخزون من المياه الجوفية المقدرة في افريقيا حسب التقرير... اذا قمنا بحساب هذه المياة كم تكفي ليبيا من السنين... حسب ما اعلمه ان كمية استهلاك الفرد في ليبيا في حدود 250 لتر يومي. قمت بمعل حساب بتقدير اضافي لاستهلاك الفرد في ليبيا على اساس 500 لتر في اليوم. سيكون استهلاك 5.5 مليون نسمة من المياه يوميا = 2,750,000 متر3. بتحويل هذه الكمية الى الكليومتر3 = 0.00275 كليومتر مكعب يومي. استهلاك الليبيين في سنة 365 يوم =1.00375 كيلومتر مكعب. هذه الكمية تعادل بحيرة بطول 10 كيلو متر وعرض 5 كيلومتر وعمق للمياه في حدود 20 متر. بقسمة المخزون الكلي (99,500 كيلومتر مكعب) على الاستهلاك السنوي الحالي (1.00375 كيلومترمكعب) فان هذا المخزن يكفي ليبيا لمدة 99,128 سنة. أي تسعة وتسعون الف ومائة وثمان وعشرون سنة. تعتبر هذه الكميات ضخمة جدا وفوق أي تصور سابق. المقبور كان يعتقد ان النهر الصناعي سيكفي ليبيا لمده 50 سنة.

فارق الباز عالم الجيولوجيا بوكالة ناسا الامريكية (مصري الاصل) تحدث في اكثر من مقابلة عن كميات كبيرة وضخمة موجودة بالأراضي الليبية والمصرية, لكنه لم يحدد الحجم بالأرقام, لم اتخيل او اتصور انها بهذه الضخامة.

محمود جبريل في احدي المقابلات اثار ذعرنا من ان ليبيا دولة صحراوية وأنها من الدول الفقيرة في المياة, الان ليبيا من الدول الغنية والغنية جدا بالمياه وأتمنى ان نتوقف عن التشاؤم.

حجم هذه المياه تعادل بحيرة على كامل مساحة ليبيا بعمق 50 متر. بتذكر انقطاع المياه في احداث تحرير طرابلس, وعاشت طرابلس مدة بدون مياه وطرح سؤال بخصوص ضرورة الاعتماد على مصادر اضافية مساندة للمياه كتحلية مياه البحر او خزان كبير رئيسي يتسع لمخزون شهر وأكثر, حسب التقرير لمياه الجوفية في المناطق الساحلية, طرابلس, الزاوية, مصراته, كل المدن الساحلية توجد على اعماق مابين 100 متر الى 250 متر.

اخبار مبشرة جدا وتبعث على التفاؤل وتضع امامنا مسئولية لاستثمار كل هذه الخيرات في تنويع الاقتصاد والإنتاج والاستثمار الحقيقي وتوفير الغذاء داخليا والتوقف عن كثير من المواد الغذائية المستوردة افق كبير فتح امام المستقبل بهذا الخبر العظيم في نظري.)

"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض"
"ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم"
وهذا كلام الله الذي لا يأتيه الباطل يؤكد أن التقوى واقامة امر الله سبب لنزول النعم على الامم فلنحمد الله على ماآتانا ولنتقه حق تقاته لعلنا ننال رحمته ويعم علينا فضله.

بنغازينا

اثناء تجوالي على بعض المواقع اللليبية ( موقع المنارة ) قرأت قصيدة باللهجة العامية للشاعر نعيم الزوي عنوانها (ياثايرة عالظلم مية مرة) موجهة الى مدينة بنغازي فأردت ان اعلق عليها فجاءت هذه الكلمات :

 
انتي الفلة

وانتي عبير الوطن فيك تجلى

يوم ما نهضت عالظلام وظله

ناضت ربوع الوطن كله كله

وراك ثايرة عالحق ماتتخلى

انتي ترسمي وهم يتبعوا في الجرة

انتي الزينة

صبرتي على وقت الشقا وسنينه

وحملتي الظروف الباهية والشينة

ولما وقفتي كلنا صبّينا

معاك ما تخاذلنا ولا ولّينا

وفي فصول مدرستك العز اتقرّى

انتي اللي جمّعتي

شرقي وغربي ومن الجنوب صنعتي

نسيج وطننا وريحة الحب زرعتي

مابينهم والعهد ماضيعتي

ماتسيبي بعد ما صبحتي حرة

ماتسيبينا انحوس

واحد يقتّل خوه يبّي فلوس

والاخربيقطع ليبيا بالموس

وواحد امجنّد محكمة واحبوس

الله يحفظك ياليبيا من شرّه

وهذي القبايل ثارها المدسوس

تبي تاخذه قبل المسا مايدوس

طرف النهار يشيل كامي سره

ماتسيبينا ثانية ولادقيقة

بعد ما فتحتي الباب ومغاليقه

باب عزّنا ودرب الوفا وطريقه

نمشوه ملمومين وانت الصرّة

نمشوه مشي ارفاقه

لخير ليبيا ولعزها سباقة

راه دربنا مليان  بالحسّاد والسرّاقة

وبفاسدين الراي واللقافة

تركة سنين الاربعين المرّة

يبوا يقطعوا من الوطن حلو مذاقه

يبوا يقسموه ويرتعوا في برّه

نبوك بنغازينا
زي وقفتك يوم سبعطاش تجينا
جية الفزّاعين يوم الشينة
انردوا مهابة ليبيا المسكينة
وانمدوا عليها قلوبنا وايدينا
وكل من طمع يرجع بخايب شره

ابوسليم .. ذكرى وذاكرة

ابو سليم ..ذكرى وذاكرة \29-06-2012
جرح مؤلم ماانفك يؤلمنا وحدث فاجع ظل يسكن الذاكرة الجماعية للشعب الليبي وجمرة بقيت تتوقد تحت الرماد واستمرت تقض مضاجع النظام الهالك وهو في عز قوته وجبروته تلك هي جريمة مذبحة سجن ابي سليم والتي قتل فيها اكثر من الف ومائتين من خيرة شباب ليبيا الانقياء الاتقياء حاول أن يطمسها .. يخفيها .. يطفئها ولكن ظلت هذه الجريمة تتأجج وتستفز نخوة الليبيين وهمتهم الى أن هبّوا هبة رجل واحد وأزاحوا الظلم والظلمة وانقشع الظلام فالحمد لله الذي له الامر من قبل ومن بعد.


إن الفترة من 1989 حتى 1995 كانت من أشد الفترات حلكة حيث وصلت الاجهزة الأمنية الى أقصى حالات التغوّل والعنف وكانت تعمل خارج الأطر القانونية للدولة وكانت تعمل كدبّابة تحرث ارضا معشبة لينة فقد قضت على النبات ودمّرت الارض والتربة ولم تترك أخضر ولايابس حيث جمعت داخل السجون خيرة الشباب الليبي المتديّن والمتعلم من كافة أنحاء ليبيا وسلطت عليهم زبانية النظام بقلوب لاتعرف شفقة ولا رحمة وافرزت مجتمع يعيش تحت سطوة الخوف والرعب مع فقدان القدوة والقيادة بسبب غيابهم إما داخل السجون أوخارج البلاد أو الانكفاء على أنفسهم حفظا ووقاية لها.  

وقد كانت سنة 2008 تقارب على نهايتها عندما كتبت هذه القصيدة وحينها كانت ابيات قصيدة النابغة تدندن في رأسي (والتي اليها تنسب الليلة النابغية ) ومطلعها  :

         كليني لهمٍّ ياأميمـــة ناصب       وليلٌ أقاسيه بطـــئ الكـواكب

        تطاول حتى قلت ليس بمنتهي     وليس الذي يرعى النجوم بآيب

ولم نكن حينها قد بُلّغنا بوفاة أخي مؤيد بعد وكنا ما نزال نعتقد أنه على قيد الحياة ونأمل رؤيته ولقائه بعد خروجه من السجن بابي سليم بإذن الله سليما ومعافي لقد ظللنا لسنوات طويلة سابقة نعيش في وهم أن السجناء مازالوا في السجن حيث كنا مع بداية كل شهر نلتقي من كل أنحاء ليبيا تحت أسوار السجن الكالحة بوجوه حانقة تكتم في صدورها من الغل مالله أعلم به ومعنا صناديق مملوءة بكل ماكنا نعتقد ان السجين يحتاجه في حياته داخل السجن وتملأ الأمهات والزوجات هذه الصناديق بالإضافة الى الطعام والحاجيات  كانت تملأها بالدموع والاشواق والآهات والحسرات والدعوات وكانت العائلات البسيطة توفر من دخلها البسيط وتحرم نفسها حتى ترسل لابنها أو ابنائها مايحتاجونه وكان في عرف هذه العائلات أن قبول السجن لهذه الصناديق وعليها اسم المرسل اليه دليل على وجوده داخل السجن مما يمنحها شعورا زائفا بالاطمئنان علما بأنه قد اتضح لاحقا أن زبانية السجن كانوا يأخذون هذه الحاجيات ويقتسمونها بينهم بعد أن قتلوا السجناء غدرا في تلك المذبحة البشعة .

حاولت أن أطرح القصة وبعض تفاصيلها وأخاطب أخي من خلالها مع الوعيد لكل ظالم مستبد وكانت القصيدة التالية :
 

كليني لدهر 
 

كليني لدهرٍ يصطخب غير هائبِ                             يروح ويغدو مثقلا بالنوائبِ

بلا كللٍ تترى سهــــــامُ جنودهِ                       مكللــــةٌ بالهمِّ من كلِ جانب

يُكسِّر أُخراها نصال قديمها                     وتكسر في تيارها حلم راغب

بأن يجتمع شمل الأحبة بعدما                   تنائىَ وعضته صروف النوائب

                  تطوف به الاحلام شرقا ومغربا                     ويجرفه التيار من دون قارب

يصلّي ويدعو عقب كل فريضة                   بقلبٍ تلظّى بالنوى والتجارب

   لعلّ بعيدا طال عهد بعــــــاده                      وراحت به للقيد أيدي الغواصب

بلا موعدٍ والليل أرخى سدوله                       وآب إلى نظّــــــاره كل آيب

وغابت نجومٌ وانزوى البدر شاحباً            يحاكي وجوه الثاكلات الشواحب

وجرّ الينا كــــــل ليلٍ ســــواده                      وصبّ علينا شرّه كل خائب

تعاطوا ونادوا ثمّ شنّوا فأسرفوا                  وعاثوا فسادا شأنهم شأن غاصب

وجاسوا بيوتاً واستباحوا محارما                  وشدّوا قيوداً شدُّها غير صائب

وجرّوا رؤوساً فكرها كان لامعاً                  ينير لنا ظلمات دربٍ مشاغب

إلى دركاتٍ صحبة القيد والعنا                     وصحبة سجّانٍ كريه المناقب

وظلّوا يجوسون الديار ببغيهم                  ويسقون من فيها كؤوس المصائب

كحاطب ليلٍ لا يبين مرامه                        فيرمي بأفـؤسهِ على كل جانب

يصيب بها من لا يريد ومن يرد                 ويتركها أشــلاء فوق المضارب

فغــاضت ينابيعٌ لنا كان دفقها                     يحج الى أمواهه كــــــل شارب

وغابت مصابيحٌ لنا كان نورها            يضيئ على شرق الدُنا والمغـــــارب

أخي منك طيف كل يومٍ يزورنا              على حين شـــــوقٍ أو أوان التعاتب

وصولاً لأرحام كما كنت دائما                على رغم أســـــوارٍ طغت وكتائب

فنحكي له عمّا رأينا من العنا               ويحكي لنا عمّا رأى من مصـــاعب

أخي أين دارك إننا بعد ننتظر                  وأمك ترجو بالدموع السواكب


وأقلامك الحبلى تراكم حبرها                      وظلّ حبيساً ينتظر كف كاتب

وكلّ كتابٍ قد تركته لم يزل                       على حاله يشتاق عودة غائب

وصحنك مازالت له فسحةٌ                       وقسطك ممّا تشتهي من أطايب

أحيٌّ فترجى إننا ورجاؤنا                      نعيش على وقع البروق الكواذب

                      أمانٍ لنا في كلِّ يومٍ نحيكها                    وننقضها عند انسدال المغارب

وليس لنا من قوةٍ نحتمي بها                    وليس لنا ركنٌ شديد المضارب

    ولكن لنا ربٌّ اليه شكـاتنا                          قديرٌ وغلّابٌ على كلِّ غالب

هو الركن إن ضاقت علينا بلادنا                وموئلنا عند اشتداد المصائب

ومسعفنا بالصبر عند احتياجه                    ومنصفنا يوم اللِقا والتحاسب

ألا أيها الثاوون في غيهبٍ ثوى                أفاضلنا خلقاً وحســــن مناقب

وقضبان سجنٍ قد تمادت فأينعت              مآسٍ وأحـــزانٍ ووأد مواهب

لكم بين أحشاء الفؤاد صبابة                وبين شغاف القلب لفح اللواهب

غداً يعلم المتبجحون بغيّــــهم              ومن أثخنونا بالأذى والمتاعــب

ومن كبّلونا خلف أسوار بغيهم             ومن أكثروا فينا عويل النوادب

ومن ضيعونا في سراديب وهمهم                   ومن جربوا فينا صنوف التجارب

بأنهم اختـــــارو الدنيّة عندنا                  وأنه لن يغني اعتلاء المناصب

وأن المظالم حائقاتٍ بأهلها                 وأن اكتساب الإثم شر المكاسب

وأنّ شذى التاريخ ليس يناله                ولاينتشي من ديمه والسحائب

مقارف غدرٍ ليس يؤمن جانبه             ظلومٌ غشومٌ رأيه غير صــــــائب

يسوس رعيته بقول وشاته                  يدبّون بينهما دبيب العقـــــــــارب

يُحلّ محارمهم ويترك أمورهم             إلى كل أفّاق الهوى والمــــــــآرب

وأنكمُ خير الفريقين مذهبــــــا                إذا ما تنادى الناس خلف المذاهب

تخيّرتمُ خوض الشدائد حسّرا               على السعي في دركات بخس المكاسب

فشدّوا على وتر الصعاب يقينكم               وأمضوا عزوما صلبت بالتجارب

وأوفوا مع الايام صادق عهدكم                 فللصدق في الدارين خير العواقب

وإنا لنرجو أن تكونوا قوادماً                       تجــس لنا دربـــا كثير المثالب

وإنا لنرجو أن يكون انبعــاثنا                   على صوت تكبيرٍ على كل جانب

فيذهب جُفاءً كل حيفٍ وعتمةٍ                      وتنهار أسوارٌ ضخام الجوانب

وتشفى نفوسٌ جرحها كان غائرا                    ويرجع الى احبابـــــه كل غائب



                                                     محمد مصطفى بن زيادة-2008




 فالحمد لله أن عشت حتى رأيت هذه الثورة المباركة بإذن الله وحتى حضرت يوم عشرين رمضان حيث تحقق الرجاء وتحررت طرابلس وأصوات التكبير تدوي من كل جانب , وحتى اعلن التحرير فذهب الظلم والظلام عن البلاد جفاء ومررت بعده بالقرب من باب العزيزية فرأيت تلك الاسوار الضخمة المحيطة به منهارة  فحمدت الله الغالب الغلّاب حمدا كثيرا وتيقنت أنه الركن لكل محتاج وضعيف وأن الملتجئ اليه لايخيب أبدا ورجوت أن يجزي الله عنا الشهداء كل خير.

الخميس، 1 مارس 2012

من كتاب فجّر طاقتك الكامنة

كتاب فجّر طاقتك الكامنة
إننا جميعاً نتطلع إلى السعادة ونبحث عنها . لكن السعادة ليست هدفاً في ذاتها . إنها نتاج عملك لما تحب ، وتواصلك مع الآخرين بصدق . إن السعادة تكمن في أن تكون ذاتك ، أن تصنع قراراتك بنفسك، أن تعمل ما تريد لأنك تريده ، أن تعيش حياتك مستمتعاً بكل لحظة فيها .إنها تكمن في تحقيقك استقلاليتك عن الآخرين وسماحك للآخرين أن يستمتعوا بحرياتهم ، أن تبحث عن الأفضل في نفسك وفي العالم من حولك .
إنه لمن السهل أن تسير في الاتجاه المضاد، أن تتشبث بفكرة أن الآخرين ينبغي أن يبدوا غاية اهتمامهم بك ، إن تلقي باللائمة على الآخرين وتتحكم فيهم عندما تسوء الأمور ، ألا تكون مخلصاً ، وتنهمك - عبثاً – في العلاقات والأعمال بدلاً من الالتزام ، أن تثير حنق الآخرين بدلاً من الاستجابة ، أن تحيا على هامش حياة الآخرين ، لا في قلب أحداث حياتك الخاصة .
إنك في الواقع تعيش حياة غير سعيدة عندما لا تحيا حياتك على سجيتها ، حيث ينتابك إحساس بأن حياتك لا غاية منها ، ولا معنى لها ، وأن معناها الحقيقي يفقد مضمونه عندما تتفقده من قرب وبدقة . إنه لمن المفترض –ضمناً- أن حياتك قد خلقت كي تكون لك .
إن حياتك قد وهبت لك كي تخلق لها معناها . وإن لم تسر حياتك على النحو الذي ترغبه ، فلا تلوم إلا نفسك . فلا أحد مدين لك بأي شيء . إنك الشخص الوحيد الذي يستطيع إحداث اختلاف في حياتك له من القوة ما يبقيه راسخاً ، لأن الدعم الضئيل الذي قد تتلقاه من هنا أو هناك لا يعني شيئاً ما لم تكن ملتزماً بأن تقطع كامل الطريق بمفردك مهما واجهت من مصاعب . إن أياً من العهود التي يقطعها لك الآخرون على أنفسهم ليس لها من القوة ما يمكنها من إحداث ذلك الاختلاف الدائم . إن الخيانة والاستسلام –على الرغم من شدة آثارهما – ليس لديهما القدرة على تقييد مسيرة تطورك أو إعاقة نجاحك ما لم تكن أنت الذي يختلق الأعذار كي تفشل هذا الفشل الذريع. إن لديك القدرة أن تتغلب على كل العوائق تقريباً لو استطعت أن تواجه الحياة بشكل مباشر . وأنت كإنسان يريد أن يحيى حياة هانئة سيتحتم عليك أن تجتاز الكثير من مثل هذه العوائق طوال الوقت . إن أول شيء يلزمك التغلب عليه هو ذلك الاعتقاد السخيف بأن هنالك من سيدخل حياتك كي يحدث لك كل التغييرات اللازمة . لا تعتمد على أي شخص قد يأتي لينقذك ، ويمنحك الدفعة الكبرى لكي تنطلق ، ويهزم أعداءك ، ويناصرك ، ويمنحك الدعم اللازم لك ، ويدرك قيمتك ، ويفتح لك أبواب الحياة .
إنك الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يلعب دور المنقذ الذي سوف يحرر حياتك من قيودها ، و إلا فسوف تظل حياتك ترسف في أغلالها .
إنك تستحق السعادة ، ولكنك أيضاً تستحق أن تحصل على ما تريد ،.لذا ، انظر إلى الأشياء التعيسة في حياتك ،سترى أنها عبارة عن سجل لعدد المرات التي فشلت فيها أن تكون ذاتك . إن تعاستك –في الواقع – لا تعدو أن تكون سوى ناقوسٍ يدق لك كي تتذكر أن هناك ما ينبغي أن تفعله كي تسترد سعادتك . ولأن الإحساس بالسعادة هو أن يحب المرء الطريقة التي يشعر بها ، فإن كونك غير سعيد يعني انك لا تحب الطريقة التي تشعر بها .
إنك الشخص الذي يفترض أن يفعل شيئاً حيال ذلك .
إن تحقيق السعادة يتطلب منك أن تخوض –دائماً – بعض المخاطر التي تكون صغيرة ، ولكنها هامة في ذات الوقت .
إنك في حاجة لأن تجعل الآخرين يقدرونك حق قدرك .تجنب المناورات ، والمجادلات التي لا هدف لها ، والمواجهات .
إنك في حاجة لأن تتفوه بالحقيقة وتصحح أكاذيبك .
إنك في حاجة للتوقف عن تمثيل دور الضحية حتى يمكنك الاستمتاع بنجاحك دون شعور بالذنب. لكي تجد السعادة ، فأنت بحاجة لأن تكون ذاتك لا أن تتظاهر بما ليس فيك .
إنك في حاجة لأن تتحرر من توقعاتك الناتجة عن معتقداتك عما يجب أن تكون عليه الحياة حتى لا تحكم على الآخرين –على غير أساس من الواقع - بأن لديهم قصوراً أو أنانية .
إنك بحاجة لان تكف عن الحياة داخل ذكريات الماضي.
إنك بحاجة لان تتعلم الصفح وغض الطرف كي تواصل مشوار الحياة .
إنك بحاجة لان تكون مستمعاً جيداً حتى تستخلص أفضل ما لدى الآخرين من خبرة . إنك بحاجة لان تأخذ نفسك على محمل الجد ، ولكن ليس لدرجة أن تلزم نفسك أن تكون كاملاً طوال الوقت ، أو ألا تستطيع التعرف على أخطائك وجوانب ضعفك .
إنك بحاجة لأن تدرك أنك في حالة نمو متواصل لذا فإنك لزاماً عليك دائماً إدراك الحلول الوسط التي تعوق تقدمك في الحياة ، وكذلك العلاقات التي تشعر أنك تقدم فيها الكثير من التنازلات .
إنك في حاجة لهدف يوجه حياتك .
إنك بحاجة لأن تعلم لتحقيق هذا الهدف ، وأن تخلق الحياة التي تريدها ، لا أن تحيا على أمل الحرية الأجوف .إن تحقيق السعادة يتطلب العمل ، عمل الحياة . وطالما أنك ستعيش حياتك الخاصة بك أنت ، فلعله يجدر بك أن تعيشها بأفضل طريقة ممكنة